ابراهيم بن عمر البقاعي
587
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان علم جميع أحوال المخلوق دالا على أن العلم بها هو خالقه ، وأن من ادعى أن خالقه عاجز عن ضبط مملكته : عن كشف غيره لعوراتها وعلم ما لا يعلمه هو منها ، فلم يكن إلها ، وكان الإله هو العالم وحده ، وكان المحيط العلم لا يعسر عليه تمييز التراب من التراب ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يخبرهم عن اللّه من مغيبات أسرارهم وخفايا أخبارهم مما يقصون منه العجب ويعلمون منه إحاطة العلم حتى قال أبو سفيان بن حرب يوم الفتح : لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء « 1 » ، قال تعالى عاطفا هُوَ الَّذِي دالا على الوحدانية بشمول العلم بعد قيام الدليل على تمام القدرة والاختيار ، لأن إنكارهم المعاد لأمرين : أحدهما ظن أن المؤثر في الأبدان امتزاج الطبائع وإنكار أن المؤثر هو قادر مختار ، والثاني أنه - على تقدير تسليم الاختيار - غير عالم بالجزئيات ، فلا يمكنه تمييز بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو ، فإذا قام الدليل على كمال قدرته سبحانه واختياره وشمول علمه لجميع المعلومات : الكليات والجزئيات ، زالت جميع الشبهات : وَهُوَ اللَّهُ أي الذي له هذا الاسم المستجمع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى المدعو به تألها له وخضوعا وتعبدا ، وعلق بهذا المعنى قوله : فِي السَّماواتِ لأن من في الشيء يكون متصرفا فيه . ولما كان الخطاب لمنكري البعث أكد فقال : وَفِي الْأَرْضِ أي هذه صفته دائما على هذا المراد من أنه سبحانه ثابت له هذا الاسم الذي تفرد به على على وجه التأله والتعبد في كل من جهتي العلو والسفل ، ولا يفهم ذو عقل صحيح ما يقتضيه الظاهر من أنه محوي ، فإن كل محوي منحصر محتاج إلى حاويه وحاصره ، ضعيف التصرف فيما وراءه ، ومن كان محتاجا نوع احتياج لا يصلح للألوهية والمشيئة لحديث الجارية : أين اللّه ؟ قالت : في السماء « 2 » ، ومحجوج بحديث : « أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت
--> ( 1 ) راجع سيرة ابن هشام 2 / 219 . ( 2 ) صحيح . أخرجه مسلم 537 وأبو داود 930 و 3282 والنسائي 3 / 14 وابن أبي شيبة 11 / 2009 وابن الجارود 212 والطيالسي 1105 وابن حبان 165 وابن أبي عاصم 104 وأبو عبيد 84 والبيهقي في السنن 10 / 57 وأحمد 5 / 447 و 448 كلهم من حديث معاوية بن الحكم قال : كانت لي غنيمة ترعاها جارية لي في قبل أحد ، فاطلعت ذات يوم ، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها ، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون فصككتها صكّة ، فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعظّم ذلك علي ، فقلت : يا رسول اللّه أفلا أعتقها ؟ قال : ائتني بها ، فأتيته بها ، فقال لها : أين اللّه ؟ قالت : في السماء . قال من أنا ؟ قالت : أنت رسول اللّه . قال : أعتقها فإنها مؤمنة ا ه وللحديث قصة في أوله عند مسلم .